البخاري

تصدير 88

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

ويقول ابن أبي حاتم أيضا : « كنا بفرير ، وكان أبو عبد اللّه يبنى رباطا ممّا يلي بخارى ، فاجتمع بشر كثير يعينونه على ذلك ، وكان ينقل اللّبن ، فكنت أقول له : يا أبا عبد اللّه إنك تكفى ذلك ، فيقول : هذا الذي ينفعني ، قال : وكان ذبح لهم بقرة ، فلما أدركت القدور ، دعا الناس إلى الطعام ، فكان معه مائة نفس أو أكثر ، ولم يكن علم أنّه يجتمع ما اجتمع ، وكنا أخرجنا معه من فرير خبزا بثلاثة دراهم ، وكان الخبز إذ ذاك خمسة أمنان بدرهم ، فألقيناه بين أيديهم ، فأكل جميع من حضر ، وفضلت أرغفة صالحة » ( هدى الساري 2 - 195 ) . هذا هو خلق البخاري في خاصّة نفسه ، وفي سلوكه مع الناس ، جرىء في الحق ، مرهف الشعور والحس ، عفّ اللسان والضمير ، سمح الطبع إلى أبعد الحدود ، ثابت العزم على ما ينويه من خير ، عزيز النفس وإن حملها الشدائد ، متقشّف العيش في زهد عن الدنيا ، عظيم السخاء في وجوه البر والإحسان . وحسبنا هذه الطباع لندرك منها جمال الباطن في اتصال البخاري باللّه ، فما اجتمعت فيه إلّا لأنّه شديد المراقبة له ، قوىّ الإيمان باطلاعه على سره وعلنه ، بالغ الحذر من حسابه يوم العرض عليه ، وكذلك كان في صلته الطاهرة بربه ، فقد كان دائم التقرب إليه ، حتى ليتخذ من عبادته مدخلا لكل عمل ، فلا يكتب حديثا في كتابه الجامع الصحيح إلّا بعد أن يغتسل ويصلى ركعتين ( هدى الساري 1 - 4 ) . [ عبادته وقرائته ] وكان يصلّي في كل سحر ثلاث عشرة ركعة يوتر منها بواحدة ، ( هدى الساري 2 - 196 ) .